الشيخ أحمد فريد المزيدي
300
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
دعاء الحمد للّه إلهي حمدا كإحصاء علمك ، حمدا يرقى إليك على الألسنة الطاهرة ، مبرّأ من زيغ وتهمة ، معرّى من العاهات والشبهات ، قائما في عين محبتك بحنين صدق إخلاصه ، ليكون نور وجهك العظيم غايته ، وقدس عظمتك نهايته ، حمدا لا يستقر إلا عند مرضاتك ، خالصا بوفاء إرادتك نصب إرادتك ، حتى يكون لمحامدك سائقا قائدا . إلهي ليس في أفق سمواتك ولا في قرار أرضك ولا في فسحات أقاليمها من يجب أن يحمد غيرك ؛ إذ أنت منشئ المنشآت ، لا نعرف شيئا إلا منك ، وكيف لا تعرفك الأشياء ولم يقر الخلق إلا لك ، وبدؤه منك ، وأمره إليك ، وعلانيته وسره محصى في إرادتك ؟ فأنت المعطي والمانع ، وقضاؤك الضار والنافع ، وحلمك يمهل خلقك ، وقضاؤك يمحو ما تشاء من قدرك ، تحدث ما شئت أن تحدثه ، وتستأثر بما شئت أن تستأثره ، وتخلق ما أنت مستغن عن صنعه ، وتصنع ما يبهر العقول من حسن حكمته ، لا تسأل عما تفعل ، لك الحجة فيما تفعل ، وعندك أزمة مقادير البشر ، وتصاريف الدهور ، وغوامض سر النشور ، ومنك فهم معرفة الأشخاص الناطقة بتفريدك ، لا يغيب عنك ما في أكنة سرائر الملحدين ، ولا يتوارى عن علمك اكتساب خواطر المبطلين ، ولا يهيم في قضائك إلا الجاهلون ، ولا يغفل عن ذكرك وشكرك إلا الغافلون ، ولا تحتجب عنك وساوس الصدور ، ولا وهم الهواجس ، ولا إرادة الهمم ، ولا عيون الهمم ، التي تخرج بصائر القلوب . إلهي كيف أنظر - إن نظرت - إلا إلى رحمتك ، وإن غضضت فعلي نعمك ، فمن فضلك جعلت حكمك يحتمل على عطفك ، ومن فضلك جعلت نعمك تعمّ جميع خلقك ، فهب لي من لدنك ما لا يملك غيرك ، مما تعلمه يا وهّاب ، يا فعّال لما يريد ، واجعلني من خاصة أوليائك ، يا خير مدعوّ ، وأكرم راحم ، إنك أنت على كل شيء قدير « 1 » . دعاء كان الجنيد يدعو بهذا الدعاء على ممرّ الأيام : الحمد للّه حمدا دائما ، كثيرا ، طيبا ، مباركا ، موفورا ، لا انقطاع له ولا زوال ، ولا نفاذ له ولا فناء ، كما ينبغي لكريم وجهك ، وعزّ جلالك ، وكما أنت أهل الحمد في عظيم
--> ( 1 ) انظر : الحلية ( 10 / 282 ) .